محمد بن جرير الطبري

582

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قبلها وبعدها فيهم نزلت ، فأولى أن تكون هي في معنى ما قبلها وبعدها ، إذ كانت في سياق واحد . وإنما قلنا : " معنى ازديادهم الكفر : ما أصابوا في كفرهم من المعاصي " ، لأنه جل ثناؤه قال : " لن تقبل توبتهم " ، فكان معلومًا أن معنى قوله : " لن تقبل توبتهم " ، إنما هو معنيٌّ به : لن تقبل توبتهم مما ازدادوا من الكفر على كفرهم بعد إيمانهم ، لا من كفرهم . لأن الله تعالى ذكره وعد أن يقبل التوبة من عباده فقال : ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ) [ سورة الشورى : 25 ] ، فمحالٌ أنْ يقول عز وجل : " أقبل " و " لا أقبل " في شيء واحد . وإذْ كان ذلك كذلك = وكان من حُكم الله في عباده أنه قابلٌ توبةَ كل تائب من كل ذنب ، وكان الكفر بعد الإيمان أحدَ تلك الذنوب التي وعد قَبول التوبة منها بقوله : " إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم " ( 1 ) = علم أنّ المعنى الذي لا يقبل التوبةَ منه ، غيرُ المعنى الذي يَقبل التوبة منه . ( 2 ) وإذْ كان ذلك كذلك ، فالذي لا يَقبل منه التوبة ، هو الازدياد على الكفر بعد الكفر ، لا يقبل الله توبة صاحبه ما أقام على كفره ، لأن الله لا يقبل من مشرك عملا ما أقام على شركه وضلاله . فأما إن تاب من شركه وكفره وأصلح ، فإنّ الله - كما وصف به نفسه - غفورٌ رحيمٌ . * * * فإن قال قائل : وما تُنكر أن يكون معنى ذلك كما قال من قال : ( 3 ) " فلن تقبل توبته من كفره عند حضور أجله وتوبته الأولى " ؟ ( 4 )

--> ( 1 ) في المطبوعة والمخطوطة : " إلا الذين تابوا وأصلحوا . . . " ، سها الناسخ فأسقط " من بعد ذلك " من الآية ، وهي الآية السابقة . وسياق الكلام : وإذْ كان ذلك كذلك ، وكان من حكم . . . علم أن المعنى . . . " . ( 2 ) في المطبوعة : " تقبل . . تقبل . . " بالتاء ، وما في المخطوطة هو السياق . ومثل ذلك فيما سيلي . ( 3 ) في المطبوعة والمخطوطة : " وما ينكر " بالياء ، وهي بالتاء أجود ، كما يدل عليه الجواب بعد . ( 4 ) في المخطوطة والمطبوعة : " توبتهم من كفرهم " بالجمع ، والسياق ما أثبت ، وهو الصواب . وفي المطبوعة : " أو توبته الأولى " والصواب بالواو كما في المخطوطة . وقوله هذا رد على القائلين بذلك فيما سلف في الأثر : 7382 ، والترجمة التي قبله ، وما قبله من الآثار ، وما يليه في الأثر رقم : 7382 .